رؤى وآمال الحاج محمد علي زينل لمدارس الفلاح

نستعرض في هذا المقال عرضاً موجزاً للرؤى والآمال التي أراد أن يحققها الحاج محمد علي زينل – رحمه الله- حين تأسيسه لمدارس الفلاح.

ولتعذر الإحاطة الشاملة بشخصية هذا العَلَمِ النبيل في هذا الحيّز المحدود، فسيقتصر هذا العرض على استخلاص قائمة من تلك الرؤى والآمال الملهِمة والموجهة لمدارس الفلاح.

ويشمل ذلك الجوانب التالية:

 

خدمة الإسلام

خدمة الإسلام هي القيمة الأعلى في فكر وحياة الحاج محمد علي زينل، وهذا ظاهر جداً في جميع الأدبيات التي كُتبت عنه، وظاهر أيضاً للناظر في المواد التي قررها وزملاؤه للمراحل الدراسية الثلاث؛ إذ تغلب المواد الشرعية على المواد المقرر تدريسها.1

 

يقول الحاج زينل نصاً في وثيقة تأسيس الفلاح فيما نقله عنه السيد أمين عقيل عطاس: " لما تفكرت في حالة بلاد الإسلام وفي حالة المسلمين بدا لي أن البقية الباقية من الممالك الإسلامية آخذة في الانقراض، وأن الإسلام في المسلمين آخذ في الوهن، وأنه لا دواء لهذا الداء إلا تمسك المسلمين بدينهم، وتمسكهم بدينهم لا يكون إلا بتعلم علوم الدين من الصبا، وتعلم العلوم الحديثة، وذلك من الدين".2

 

العناية بالقرآن الكريمِ

مع أن القرآن الكريم ضمن اهتمام الحاج محمد علي زينل بخدمة الإسلام، إلا أن تركيزه على تعليمه تلاوةً وتجويداً وحفظاً وتفسيراً كان أكثر؛ فالقرآن الكريم وعلومه كان مفردة أساسية في مناهج مدارس الفلاح.3

 

يذكر عباس لهري في وصفه لشخصيته: "أما قناعتي الشخصية في هذا الصدد؛ فإنني أؤكد لك أن الشيخ زينل كان يحب حفّاظ القرآن وقرّاءه أكثر من أي شخص آخر، وكان يجلّهم ويبدي لهم احتراماً شديداً.  لقد كان هؤلاء هم حبّة قلبه والمفضلين عنده والذين حظوا باحترامه طوال حياته."4

 

العناية باللغة العربية

وهي إحدى الغايات الثلاث الكبرى التي دفعت الحاج زينل وهو في سن الثالثة والعشرين إلى السعي لتأسيس مدارس الفلاح عام 1323هـ، فبالإضافة إلى خدمة الإسلام ومحاربة الأمية الفاشية حينذاك، فقد كانت مواجهة سياسة التتريك التي تبنتها السلطات التركية في أواخر أيامها هي الدافع الثالث لإنشاء الفلاح.

 

ويعبر عن ذلك عمر عقيل بقوله عنه: " هاله أن يحاول الأتراك تتريك كل ما في جزيرة العرب ،حتى أن المدرسة الوحيدة التي افتتحوها حينذاك باسم المدرسة الرشدية كانت تعلم اللغة العربية والدين الإسلامي باللغة التركية".5

كما تظهر عنايته البالغة باللغة العربية في نسبة موادها إلى المواد الأخرى في المدارس، وهي عناية بالغة في بيته أيضا؛ إذ تذكر ابنته آمنة أنه لم يُدخلها وشقيقتيها مدرسة نظامية أثناء إقامته الطويلة في الهند وذلك "لرغبته في تعليمنا اللغة العربية والفقه والتوحيد، فكنّا نواة مدرسة غير معلنة للبنات".6

 

خدمة الوطن والتنمية

لم يكن حرص الحاج محمد علي زينل على خدمة الإسلام واللغة العربية ليؤدي به إلى إنشاء مدارس دينية بحتة، ولم يكن هذا ملاحظاً طوال تاريخ مدارس الفلاح. فقد أخذت العلوم الأخرى نصيبها من اهتمامه ونصيبها في المدارس.

يذكر حسن كتبي أنه تعلم وزملاؤه من الحاج زينل " أن العلوم الدينية نظام للحياة والمجتمعات، والتاريخ أمانة تنقل من الأجداد إلى الأحفاد، وجميع العلوم الأخرى مقومات لبناء المجتمع الصالح الراقي المتمدن، وهذه العلوم في مجموعها حلقات يجب أن تتكامل لتصنع وطناً قوياً متماسكاً."7

 

الريادة والتفرد على المستوى الوطني

وهما مكونان أصليان ظاهران في شخصية الحاج محمد علي زينل رغم نزوعه الجبِلـي والشرعي - رحمه الله- إلى عدم الحديث عن إنجازاته وعطاءاته. فإنشاء مدرسة أهلية خيرية في ظروف معنوية ومادية غير مواتية واستمرارها لأكثر من قرن من الزمان محافظةً على صورتها الذهنية الإيجابية المجمع عليها حتى اليوم، وريادته المبكرة بإطلاق برنامج البعثات الخارجية إلى الهند عام 1346هـ بل صنع ريادة وتفرداً تاريخياً مبكراً جداً ضمن برنامج الابتعاث بتكوين فرقة كشفية من المبتعثين،8

كل ذلك - وغيره كثير - يشير إلى غلبة الريادة والتفرد على شخصيته وعلى الفلاح دون جلبة ولا دعاية من أي نوع. ويكفي في الدلالة على ذلك شهادة عبد الله السليمان؛ وزير المالية في عهد المؤسس الملك عبد العزيز - يرحمه الله - حين قال في إحدى المناسبات: " والله لولا ما قام به محمد علي زينل في مجال العلم والتعليم ما استطعنا تأسيس هذه الدولة المترامية الأطراف بهذا القدر من الكفاءة والرسوخ ... فقد كان رائدا فيما فعل، وقد استفادت المملكة من ريادته هذه ومما قدمه لهذا البلد على الصعيدين الديني والتعليمي في المرافق الحكومية أو الأهلية على حد سواء".9

 

الروح الخيرية والأبوية للفلاح

فقد كانت الخيرية أقوى خصال الحاج محمد علي زينل، والقارئ المتعمق في سيرته الحقيقة سيخلُصُ إلى أن التعليم والعمل الخيري هما غايتا حياته كلها، وأن عمله بالتجارة - على ضخامته وعالميته - لم يكن إلا أداة لخدمة التعليم والعمل الخيري، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى.

وتكفي الإشارة هنا إلى تخصيصه أربعة عشر ألف جنيه ذهباً لمدارس الفلاح بمكة المكرمة وجدة سنوياً لأربعين عاماً لتظل الدراسة مجانية، بل تجاوز ذلك إلى دفع مكافآت شهرية للأيتام والفقراء وبعض طلاب المراحل العليا وأسرهم أحياناً لكيلا يتركوا الدراسة من أجل العمل لإعالة أسرهم. إضافة إلى اختيار مجموعات من الخريجين المتفوقين لابتعاثهم تحت رعايته المادية الكاملة وإشرافه الأكاديمي والأبوي الشخصي.10

 

الحرص على الكفاءة العالية للهيئة التعليمية

وقد ذكر هذا السيد اسحاق عزوز مدير فلاح مكة الأسبق حين قال: "تأسست المدارس الفلاحية فكان أساتذتها خيرة علماء البلدة، وحينما اتسعت شيئاً فشيئاً انضم إلى أولئك كثير من علماء البلاد الأخرى الأفذاذ الذين استقدمهم المؤسس لغاية التعليم النبيلة".11

 

ويؤكد عبد الكريم بكر أحد خريي الفلاح ومبتعثيها أن الحاج زينل " كان يستقدم أفضل الأساتذة للقيام بالتدريس في هذه المدارس حتى أن بعض من كانوا يدرسوننا كانوا يحملون شهادات عليا، ومنهم أستاذ حاصل على درجة الدكتوراه كان يعلمنا اللغة الإنجليزية".12

 

الحرص على الجودة العالية لمخرجات المدرسة

وهذا واضح عند استعراض خريجي الفلاح من بين أعلام الوطن في عهودها الأولى، وفي تلمس حال خريجيها الذين يساهمون اليوم بكفاءة وإيجابية في نماء ورقي أوطانهم.13

وقد ركز السيد إسحاق عزوز على هذا التوجه المبكر حين قال: "ويلذّ لي أن أتحدث عن كفاءة هؤلاء المتخرجين ومقدرتهم؛ وحسبك نظرة تلقيها على الدوائر الرسمية والمحال التجارية فإنك ستجد الجمع الغفير يملأ هذه المراكز كلها ويظهر كفاءة وجدارة وخبرة واسعة".14

 

ربط الخريجين بالأسرة

ويمكن للباحث في سيرة الحاج محمد علي زينل وفي تاريخ الفلاح أن يتلمس هذا المنحى في العديد من خريجي الفلاح الأوائل الذين عملوا فيها معلمين وإداريين بتوجيه منه.

وقد ظهرت هذه الرؤية أكثر في العائدين من برنامجه الرائد للابتعاث ممن عملوا في الفلاح أو في أعماله التجارية أو مؤسسات آل زينل حتى اليوم.15

 

خاتمة

وبعد، فتلك هي هِمّة الحاج محمد علي زينل، وتلك هي رؤاه وآماله التي جاهد هو والكرام الذين عملوا معه ومن بعده من أجل تحقيقها، فأقر الله أعينهم برؤية "الفلاح" شجرةً مباركةً تؤتي أ كلها كل حين بإذن ربها.

والأمل في محبي الفلاح اليوم أن يبقوا جذوة تلك الهمة متقدة، وأن يواصلوا المحافظة والإضافة إلى هذا الإرث العظيم المشرف لأهله وللوطن.

وليس أعظم في هذا الشأن من استلهام رؤى وآمال مؤسسها وصحبه والبناء عليها، والانطلاق نحو التفاعل الإيجابي مع تحديات عصرهم ومواجهتها كما تفاعل الشاب محمد علي زينل - رحمه الله - مع تحديات عصره وواجهها.

ثم ليبشروا، وكيف لا يبشروا! وقد علّمهم نبيهم ومعلمهم الأول؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلّون على معلم الناس الخير."16

 

بكر بن إبراهيم بصفر

مكة المكرمة

الأحد 22 ذو الحجة 1434هـ - 27 أكتوبر 2013 م

 

 

الهوامش والمراجع

1. الشاطري، محمد أحمد (1977) محمد علي زينل رائد نهضة وزعيم إصلاح.. ومؤسس مدارس الفلاح. جدة: دار الشروق ص 82-85.

2. رضوان، محمود (1984) قالوا عن محمد علي زينل مؤسس الفلاح. جدة: آل زينل. ص 133.  وانظر أيضاً  ما ذكره في نفس المصدر كلّ من ابنته حفصة ص 18 وابنته مريم ص 22 وعمر عقيل  ص 83-84 وعبد الرحمن المر ص 97 وغيرهم كثير.

3. عمر عبد الله عقيل.  في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص 82-84

4. عباس لهري رئيس مجلس إدارة شركة لهري للهندسة والاستشارات الفنية بمومباي.  في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص 50.

5. عمر عبد الله عقيل. في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص 83.

6. آمنة محمد علي زينل.  في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص 12.

7. حسن محمد كتبي. في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص 288.

8. محمد حسن أخضر. في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص 136 ولعل الفرقة الكشفية التي أنشأها هي الأولى في تاريخ المملكة.

9. عبد الله السليمان. في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص 143.

10. الشاطري، محمد أحمد. مصدر سابق. ص 53 - 56.

11. إسحاق عزوز .في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص 307.

12. عبد الكريم بكر .في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص. 130.

13. ومن أعلام الوطن الذين تخرجوا من الفلاح على سبيل المثال لا الحصر: علوي مالكي وعبدالوهاب آشي وأحمد شطا وأحمد صلاح  جمجوم وأحمد زكي يماني ومحمد عبده يماني ومحمد عمر توفيق ومحمد عبد الله علي رضا وحسن كتبي وحسن نصيف وهشام ناظر ومحمد حسن عواد وحمزة شحاته، وغيرهم كثير.

14. إسحق عزوز .في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص. 307

15. محمد محمد أمين العوضي .في رضوان، محمود. مصدر سابق. ص 68-73.

16. جزء من حديث أبي الدرداء في سنن أبي داود. ص .3641

img-one
نتعلم لنكون رواد الغد.